محمد بن جرير الطبري

163

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أبيضان ، فأنا أخذت منه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وهي أول سورة أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم . قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : إن أول سورة أنزلت : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . ثم ن وَالْقَلَمِ . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . وقوله عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ يقول تعالى ذكره : علم الإنسان الخط بالقلم ، ولمع أشياء غير ذلك ، مما علمه ولم يكن يعلمه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ قال : علم الإنسان خطا بالقلم . وقوله : كَلَّا يقول تعالى ذكره : ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان أن ينعم عليه ربه بتسويته خلقه ، وتعليمه ما لم يكن يعلم ، وإنعامه بما لا كفؤ له ، ثم يكفر بربه الذي فعل به ذلك ، ويطغى عليه ، أن رآه استغنى . وقوله : إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى يقول : إن الإنسان ليتجاوز حده ، ويستكبر على ربه ، فيكفر به ، لأن رأى نفسه استغنت . وقيل : أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى لحاجة " رأى " الذي اسم وخبر ، وكذلك تفعل العرب في كل فعل اقتضى الاسم والفعل ، إذا أوقعه المخبر عن نفسه على نفسه ، مكنيا عنها فيقول : متى تراك خارجا ؟ ومتى تحسبك سائرا ؟ فإذا كان الفعل لا يقتضي إلا منصوبا واحدا ، جعلوا موضع المكنى نفسه ، فقالوا : قتلت نفسك ، ولم يقولوا : قتلتك ولا قتلته . وقوله : إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى يقول : إن إلى ربك يا محمد مرجعه ، فذائق من أليم عقابه ما لا قبل له به . القول في تأويل قوله تعالى : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى ذكر أن هذه الآية وما بعدها نزلت في أبي جهل بن هشام ، وذلك أنه قال فيما بلغنا : لئن رأيت محمدا يصلي ، لأطأن رقبته ؛ وكان فيما ذكر قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي ، فقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك أن تصلي عند المقام ، وهو معرض عن الحق ، مكذب به ، يعجب جل ثناؤه نبيه والمؤمنين من جهل أبي جهل ، وجراءته على ربه ، في نهيه محمدا عن الصلاة لربه ، وهو مع أياديه عنده مكذب به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى قال : أبو جهل ، ينهي محمدا صلى الله عليه وسلم إذا صلى . حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد عن قتادة أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى نزلت في عدو الله أبي جهل ، وذلك لأنه قال : لئن رأيت محمدا يصلي لأطأن على عنقه . فأنزل الله ما تسمعون . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قول الله : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى قال : قال أبو جهل : لئن رأيت محمدا صلى الله عليه وسلم يصلي ، لأطأن على عنقه ؛ قال : وكان يقال : " لكل أمة فرعون ، وفرعون هذه الأمة أبو جهل " . حدثنا إسحاق بن شاهين الواسطي ، قال : ثنا خالد بن عبد الله ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول صلى الله عليه وسلم يصلي ، فجاءه أبو جهل ، فنهاه أن يصلي ، فأنزل الله : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى إلى قوله : كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ . القول في تأويل قوله تعالى : أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى